يوسف بن سليمان الشنتمري ( الأعلم الشنتمري )

208

أشعار الشعراء الستة الجاهليين

فإما أن أعطي وتمسكي وإما أن أمسك وتعطي أنت فإنه لا يبقى على هذا شيء ، فقالت : واللّه لا أمسك أبدا ، قال : وأنا لا أمسك أبدا ، قالت : فلا نتجاور ، فقاسمها ماله وتباينا . . . وحكي أن أمه كانت من أسخى الناس وأقراهم للضيف وكانت لا تحبس شيئا تملكه ، وهي عتبة بنت عفيف بن عمرو بن عبد القيس ؛ فلما رأى إخوتها إتلافها حجروا عليها ومنعوها مالها حتى إذا ظنوا أنها قد وجدت ألم ذلك أعطوها صرمة من إبلها ؛ فجاءتها امرأة من هوازن تسألها ، فقالت : دونك الصرمة فخذيها فو اللّه لقد عضّني من الجوع ما لا أمنع بعده سائلا أبدا . . . ثم أنشأت تقول : [ الطويل ] لعمري لقدما عضّني الجوع عضّة * فآليت أن لا أمنع الدهر جائعا فقولا لهذا اللائم اليوم اعفني * فإن أنت لم تفعل فعضّ الأصابعا فما ذا عسيتم أن تقولوا لأختكم * سوى عذلكم أو عذل من كان مانعا ؟ وهل ما ترون اليوم إلا طبيعة * وكيف بتركي يا ابن أم الطبائعا ؟ فقد اكتنفه التجود من أمه وأبيه . . . وقالت امرأته النوار : أصابتنا سنة اقشعرّت لها الأرض واغبرّ أفق السماء وضنّت المراضع عن أولادها فما تبضّ بقطرة فأيقنا بالهلاك ، فو اللّه إني لفي ليلة صبيرة بعيدة الطرفين إذ تضاعى صبيتنا جوعا : عبد اللّه وعديّ وسفانة ، فقام إلى الصبيّين وقمت إلى الصّبية فو اللّه ما سكتوا إلا بعد هدأة من الليل وأقبل يعلّلني بالحديث فعرفت ما يريد فتناومت ، فلما تغوّرت النجوم إذا شيء قد رفع كسر البيت فقال : من هذا ؟ فقالت : جاريتك فلانة ، أتيتك من عند صبية يتعاوون من الجوع عواء الذئب فما وجدت معوّلا إلا عليك أبا عديّ ؛ فقال : اعجليهم فقد أشبعك اللّه وإياهم فأقبلت تحمل اثنين ويمشي إلى جانبها أربعة كأنها نعامة حولها رئالها ؛ فقام إلى فرسه فعالجها بمدية فخرّت ثم كشط الجلد ودفع المدية إلى المرأة وقال : شأنك فاجتمعنا على اللحم نشوي ونأكل ، ثم جعل يأتيهم بيتا بيتا ويقول هبّوا أيها القوم عليكم بالنار فاجتمعوا ، والتفّ في ثوبه ناحية ينظر إلينا واللّه إن ذاق منها مزعة ، وإنه لأحوج إليها منّا فأصبحنا وما على الأرض منها إلا عظم وحافر فأنشأ يقول : [ البسيط ] مهلا نوار أقلّي اللوم والعذلا * ولا تقول لشيء فات ما فعلا ولا تقولي لشيء كنت مهلكه * مهلا وإن كنت معطي العنس والجملا يرى البخيل سبيل المال واحدة * إن الجواد يرى في ماله سبلا